السيد عباس علي الموسوي

196

شرح نهج البلاغة

تكثر به فرحا وما فاتك منها فلا تأس عليه جزعا وليكن همّك فيما بعد الموت ) هذا الكلام موعظة رحيمة ونصيحة غالية كريمة . . . وتوجيه من إنسان واثق باللهّ أدرك أفعاله وحكمتها فآمن بكل ما جرى واستسلمت روحه لما كان . . . يقول لابن عباس - وإن كان يريد كل فرد منا - يقول له : لا تفرح بما نلت وأدركت إلا إذا كان ينفعك في الآخرة ولا تأسف أو تحزن على شيء يفوتك إلا إذا كنت تنتفع به في الآخرة . الإنسان قد يفرح بما قدر اللّه له وكان لا بد له من الحصول عليه وقد يحزن ويتأثر لأمر كان من المقدر له أن لا يدركه فالمقدر له الحصول عليه يفرح به مع أنه حاصل له لا محالة والمقدر له عدم الحصول عليه يحزنه مع أنه لا محالة سوف لن يحصل عليه ، وهذا لجهل الإنسان وعدم إدراكه لحكمة اللّه في تقدير الأمور . ثم إنه عليه السلام بيّن موارد الفرح وبيّن موارد الحزن إذا أردت أن تفرح وتسر فافرح بما ينفعك في آخرتك من صلاة وصوم وحج وصلة رحم وإعانة فقير وإغاثة ملهوف وغير ذلك من وجوه البر وليكن أسفك وحزنك على معصية ارتكبتها أو إثم فعلته أو أمر حرام أقدمت عليه لأنه يضر بآخرتك ويلزم منه الشقاء الدائم والعذاب الباقي . . . وأما ما يفوتك من الدنيا فلا تحزن عليه وما يأتيك منها فلا تفرح به لأن أثر ذلك مؤقت وهذا مأخوذ من قوله تعالى : لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ . . . . ثم أمره بأمر فيه سعادته وهو أن يصرف كل همه ويعمل لما بعد الموت فإن في ذلك اليوم إما سعادة دائمة أو شقاء دائم فهو الذي يستحق الاهتمام والاعتناء .